محمد ابو زهره
690
خاتم النبيين ( ص )
ولننقل لك الحديث لتعرف ما كانت تجري به الأمور ، وما كان يسري في النفوس . قال حيي : ويحك يا كعب ، جئتك بعز الدهر ، وببحر طام ، جئتك بقريش علي قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ، وبغطفان علي قادتها وسادتها حتى أنزلتهم علي جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني علي ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه . قال له كعب : جئتني واللّه بذل الدهر ، وبجهام قد هراق ماؤه ( أي بسحاب قد نزل ماؤها ) فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا . فلم يزل حيي يتحايل بالقول ، ويفتل بالذروة والغارب حتى سمع له واستجاب لما يطلب ، وبذلك كشف طبع اليهودي ، فهو لا يفي بعهد شرفا وكرامة ولكن يفي مضطرا خوف الذل والمهانة ، ولذلك وافق عندما أقنعه بأن القوة مع قريش ، وأمنه علي مستقبله ، فأعطاه عهدا وأعطاه ميثاقا قائلا له : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك ، حتى يصيا بني ما أصابك . اطمأن كعب ، فنقض العهد . وهو من شيمته ، وما كان التمسك إلا حرصا منه علي نفسه ، وخوفا عليها ، فأتاه الشيطان من ناحية نفسه ، فاقتنع ، والعداوة فيه أصيلة . ولذلك سرعان ما انضمت قريظة إلي الأحزاب التي جاءت من المدينة وكان ذلك فيما بينهم وبين حيي ، وعمل علي أن يبلغه لقريش ومن معهم . ولكن وصل الخبر إلي النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو الحذر الحريص الذي لا يؤتي من غفلة صلى اللّه تعالى عليه وسلم . أراد النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم أن يستوثق ليكون الخبر كالعيان فأرسل إلي بني قريظة سيد الأوس سعد بن معاذ ، وسيد الخزرج سعد بن عبادة ومعهما عبد اللّه بن رواحة . وقال لهم : انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ، فإن كان حقا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا علي الوفاء فيما بيننا فاجهروا به أمام الناس . ذهبوا إليهم فوجدوهم علي أخبث حال ، نالوا من رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأنكروا العهد وقالوا : لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ، وقالوا منكرين من رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فلم يطق سعد بن معاذ صبرا فشاتمهم وشاتموه ، وقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أدني من المشاتمة .